اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي ( تعريب : عثمان هاشم )
322
تاريخ الأدب الجغرافي العربي
هذا بكثير لأن بلوخ قصر بحثه على النقاط المتعلقة بالشام وفلسطين . وصواب رأى ياقوت في أنه يمكن استخراج معلومات مفيدة من مصنف الهروي قد وكده العلم الأوروبى الحديث ، على الأقل فيما يتعلق بتلك الأقسام التي أخضعت لأبحاث مستقلة وهذا ينطبق على المادة الضخمة التي يوردها الهروي عن الصليبيين وفي وصفه للقسطنطينية 44 ولثوران بركان اتنا . ومن الطريف ملاحظة أنه رغما من سهولة التصديق لدى الهروي فإنه قد ذهب لمراقبة ثوران بركان اتنا - - ليتحقق بعيني رأسه من زعم أحد العلماء المحليين الذي ادعى أنه قد رأى السمندر ( Salamandar ) يقفز في اللهب دون أن يحترق . وقد تمكن الهروي من أن يثبت أن فوهة البركان هي التي كانت تقذف في الواقع بحجارة ملتهبة في اتجاه البحر 45 . ومن المؤكد أن كلا من السمعاني والهروي ، رعما من اختلاف منهجيهما ، كانا أستاذين كبيرين لياقوت ، أعنى بذلك أنه قد نقل عنهما كثيرا ؛ ويمكن أن نحكم إلى حد ما على درجة هذا النقل بفضل وجود المصنفات الأصلية بين أيدينا . وإلى جانب هذين المؤلفين نعرف أيضا من القرن الثاني عشر ، وفي النصف الثاني منه بالذات ، عددا من صغار المؤلفين السابقين لياقوت والذين تعتمد معرفتنا بهم في الواقع على مجرد ذكر ياقوت لأسمائهم . وهم جميعا نجوم ليست من الدرجة الثانية فحسب بل الثالثة ، غير أن عددهم الكبير يقف دليلا على الطابع المميز لذلك العصر وبرهانا على أن ياقوت قد جهد في استيعاب جميع المادة السابقة له حتى تلك التي لم تتمتع بأهمية من المكانة الأولى . والسلسة الطريفة لهؤلاء المؤلفين ممن ذكرهم ياقوت بالذات تساعدنا على إلقاء ضوء ساطع على شخصيته في الفصل القادم . وفي مقدمة معجمه التي يعطى فيها سردا مفصلا لمصادره يذكر ياقوت أنه قد رجع إلى كتاب أبى الفتح نصر بن عبد الرحمن الإسكندرى « توفى عام 560 ه - 1165 ) بعنوان « فيما اختلف وائتلف في أسماء البقاع » ، فهو بهذا إنما ينتمى إلى المصنفات من طراز « المختلف والمؤتلف » المعروف لنا بما فيه الكفاية والذي كثر استعماله في ترتيب أسماء الأعلام في مختلف فروع الأدب ، أي ليس في الجغرافيا وحدها بل في التاريخ وتاريخ الأدب الخ . ويقدر ياقوت هذا الكتاب تقديرا عاليا ويرى فيه « تأليف رجل ضابط قد أنفذ في تحصيله عمرا وأحسن فيه عينا وأثرا » 46 ؛ ورغما من ذلك فقد اطلع عليه ياقوت في موجز لأبى موسى محمد بن عمر الأصفهاني 47 ( توفى عام 581 ه - 1185 ) الذي مر بنا شخصه في صدد آخر ، وهو من رواة الأحاديث المشهورين 48 وأهم من ذلك أنه وضع ذيلا لمعجم الأنساب لابن القيسراني 49 . ويتضح لنا من هذا المثال أن اهتمام هذه الجماعة من العلماء كان موجها قبل كل شئ إلى ما يسمى « بعلم الرجال » ( أي رواة الأحاديث ) . وإلى جانب هذا عرف ياقوت - - ملخصا آخر لكتاب الإسكندرى عمله أبو بكر محمد بن موسى الخازمى 50 ( توفى عام 584 ه - 1188 ) ، وهو كسابقه كان أيضا من رواة الأحاديث 51 ولا شك أن اتجاهه كان مشابها لاتجاه أولئك . وقد قدر ياقوت مصنفه تقديرا عاليا في بادئ الأمر ولكن عندما تعرف على مسودة أبى موسى تأكد لديه ؟ ؟ ؟ أن الخازمى